Feeds:
Posts
Comments

§§§

6:48

خليل

أشعر بيدي  النحيفتين ترتجفان على  مقود السيارة, و قد فشلت كل المحاولات  لكي اتوقف عن التفكير.

-توقف عن التفكير !

قد يظنني البعض مصاب بإنفصام في الشخصية حين أصرخ على نفسي, طبعا هو هاجس فقط, فالفتاة التي تقود السيارة المتوقفة في الزحام قربي لم  تران,  أنا  مجرد عارض على حياتها, تتقاطع حياوتنا   بدون دلالات , بدون أن تترك أثر على نقاط اللقاء. و مع أني أحاول دوما أن أرى الجميع , أن أركز نظري فيهم ,  أن أبتسم لهم.

-ها أنت تبدأ مجددا .

هي المدينة دوما , لها الموقع المركزي, و حولها أدور  في خيالي الصغير, و أحلم   بسعادة مستقرة و وجود يرضي بالحد الأدنى كبريائي الكبير. أنا لا أستطيع التوقف عن التفكير لأنني بحاجة دائمة لإجابات على الأسئلة الكثيرة, و أسئلتي الكثيرة هي دلالة تقشف في فهم مجريات حياتي لأنني لا أعلم أين تقودني قدماي, و لم أعلم يوما كيف تداخل الظروف لتجد نفسك تتحرك بقرار أكبر منك بكثير.أخاف أن أجدني يوما في مكان لا رغبة لي به على الإطلاق. ليست السيطرة طموحي طبعا, فكلنا نرغب بالسيطرة على حياتنا, و لكنني أرغب بالتوقف عن الخوف.

البحر يدخل من نوافذ السيارات, و يجلب معه رائحة  الأسماك, هو غريب أيضا  في مدينتي, و يعلم تماما أن لا مكان له قرب الصبية المتبرجة خلف مقودها, كما لا مكان لرجفة صوته بالموج  في السيارة المكشوفة التي تتصاعد منها أغان  خارجة دوما عن السياق العام للمشهد.

أمام نافذتي الصغيرة تتجمع مئات التجاعيد, و لون أسمر ضرب المغيب عليه حمرة سحرية, فتشكل حول العينين البنيتين كقشور البرتقال, و إنحدر كالدمعة المستقلة عن إرادتك, و حفر في الحزن القاس معالم المدينة الرئيسية و صفاتها الأولى.

أفتح شباكي ببطء و ألتلفت إليه.

-بدي إدفع فاتورة الدوا للصغير , و بدي شربه حليب, صدري نشف من الجوع يا بنيِي.

أشعر بالدمعة القاسية  تختلج خلف عيني الزرقاوين, أشيخ بنظري ناحية البحر علها تختلط بمائه الكثير و تختفي, فلا تتجمع على روحي الحزينة و تمنعها من التنفس مجددا.

الله يعطيك, أقولها في سري و أعتذر بتمتمة مختلفة, نوع من التعاطف الكاذب, و الشعور بأننا جميعا فقراء, لا نملك الكثير.و يفضحني خبثي, تفضحني زجاجة العطر التي إشتريتها بخمسين دولار منذ ساعة فقط, و تفضحني الساعة الفضية في يدي النحيلة. و قبل أن أستدرك الوجه العجوز, أراه أشاح بعينيه عني و نقلهما عبر الزجاج الأمامي للسيارة المتوقفة خلفي, درس ردة فعل السائق من  تقلص عضلات وجهه, و إنطلق نحو شباكه ليلتصق به.

بدي إدفع فاتورة الدوا للصغير , و بدي شربه حليب, صدري نشف من الجوع يا بنيِي.

تختطفني الأسئلة الوجودية مجددا, و أقفز نحو النهايات هذه المرة, تراك تشعر حقا بأنك مطلق الشفافية ؟  تراك تبتسم لجميع المارة فقط لتؤكد لنفسك أن الجميع يراك, و أنك لست في معرض المرور الإجباري على ممشى كهربائي, ينتهى بموتك. فتكون كما لو أنك لم تكن يوما.

أدير الراديو بحثا عن شيء يستحق أن تسمعه, شيء يزيل الكآبة من عيني الصغيريتين كلما واجهتهما على المرآة الجانبية. أشعل سيجارة و أمتص الدخان منها بشراهة, محاولا حصر تفكيري في اللحظة. أليست طريقة نينو المثلى في معالجة أزمة السعادة كما يقول.

-نبحث كثيرا عن السعادة و  نتأفف من عدم حصولنا عليها, و لكننا نبحث دوما في المكان خطأ. السعادة هي شعور لحظة. لا تغرق في البحث عن أول خيطها, فهي ليست خط مستمر و لا نقطة بداية تحدد مكان إنطلاقها, كما لا وجود لمسار زمني محدد تتوقف عنده. السعادة هي لحظة خارجة عن القانون, تفرض إيقاعها الخاص, و تتجلى في ملامحك رغم عنك. يبقى أن تفاجئها حين حصولها. و لكنك منشغل في بحثك و أسئلتك التي لا نفع لها, ترهق نفسك في البحث عن سعادتك فتتجاوزها كل ما حطت على شفتيك.

أبتسم حين أسترجع كلامه, و تتآلب الأشياء حولي, فتشدو موسيقى مارسيل في فضائي الصغير, و يمر النسيم المنعش عبر جسدي, فأحس بصفاء لا بداية و لا نهاية له , شعور منفصل عن الزمان و المكان. و أبتسم.

يخطفني صراخ السائقين خلفي من لحظتي الزهرية, و لكنني أقرر أن لا أدعهم يسرقون بهاءها مني, أتجاهلهم و أنطلق ببطء تحت إشارة المرور الخضراء.

أشعل سيجارة أخرى, و أشعر بأن ثقل ما قد إنزاح عن كاهلي,  كأنني أملك عالمي كله في يدي الصغيرتين. سأقوم بتغيير عملي, و سأجلب زهورا لأضعها على قبر والدتي, و ربما قد أزور  ريما, أو أدعوها للغداء في مطعم لطيف, و قد أدعو نينو و نجوى أيضا فخرج معا كما كنا نفعل في السابق. أتناول الجوال  عن المقعد الخالي قربي, و أتصل بأختي لأخبرها أنني قادم للعشاء عندها غدا, فتجيبني عاملة الهاتف. لا أتذمر, و أجدد الإبتسام, ستكون مناسبة لطيفة لرؤية  إبنتها الصغيرة, ربما أشتري لها  هدية أيضا. أبتسم. و أبتسم مجددا لأنني أبتسم.

أحاول الإتصال بنينو لأخبره بأنني مررت بالحديقة التي  كنا نلعب فيها كرة القدم حين كنا صغارا, و لكنه لا يجيبني. أتوقف  قليلا على جانب الطريق, و أحاول اللحاق بآخر أنفاس الضوء و هي تعتلي العشب الأخضر, أغمض عيني بحثا عن رائحة زهر الليمون, فيأخدني مشهد الربيع إلى قريتي, بيت جدي, صيد العصافير, والدي. أسمع صوت والدتي.

-الغذا جاهز  يا بيي. روح عيط لبيك  يا خليل.

أمد يدي إلى علبة الدخان, لأتنفس منها رائحة الذكرى الحارقة. لم يعد يزورني الحزن الكثيف كما في السابق, لقد واجهت الأمر بشجاعة, و خرجت من ضباب الحداد الذي يحولك لمخلوق يتلمس طريقه من الحزن و إليه.

أتناول هاتفي مجددا, أخبر نجوى في رسالة خطية أن الزحمة أخرتني قليلا, و أحاول الظهور في مزاج جيد, فأضيف أنني لبست أجمل بدلاتي.  فاليوم نذهب سويا إلى حفلة تخرجها. سنبدأ بتسميتها الدكتورة نجوى من اليوم و صاعدا. ثم أنتقل للتفكير بنينو, و أشعر بغبطة لأنه عاد إلى المدينة التي كبرنا بها, و ها هو يستقر مجددا مع نجوى. أظنهما سيتزوجا قريبا, على الأقل هذا ما أخبرتني إياه أمه  حين  دعتنا للعشاء عندها الأسبوع الفائت.

أقترب من الوصول إلى شارع “رابندرات تاغور” , ألمح سيارة نجوى متوقفة قرب المبنى القديم, يظللها الضوء الفضي الذي يملأ فراغ اللون بين بداية الليل و إنسحاب النهار. أشرد قليلا, و يتسارع نبضي بشكل مباغت, أرى الأشياء قد تجمدت حولي, كنت أبحث عن شيء ما.

يزيل نور الكهرباء  الإنقباض  المتمسك بطرفي قلبي, الذي بدأ  يختلج كسمكة ذهبية حائرة من دخول الضوء و الصوت غلى عالمها الساكن الصغير.  كنت أبحث عن مكان أركن فيه سيارتي. أقلب عيني في الشارع الموشح بلون الآكي دينيا. و أجد مكانا فارغا.

أرى نجوى و هي تعبر الشارع بخطوات رقيقة. ثوبها الأبيض يرتجف مع دعساتها الخفيفة, كأنما هو خجل من ملامسة جسدها العار أمام الضوء الإصطناعي. ألتفت حولي  و أقرأ على اللوحة الصدئة :

Le Vigne Restaurant francais

أبحث حولي عن آثار عريشة  كانت هنا في زمن ما, فلا يلفت نظري سوى الثقوب التي خلفها الرصاص في المبنى المهجور. أحاول الإنصات لكلام الأرواح التي تناولت طعامها هنا يوما, و يهيؤ لي أنني أسمع غناء إديث بياف.

- أم أنه صوت ميراي ماثيو؟

يوقظني المرور الخاطف لخفاش كبير, و هو يدخل طائرا إلى المطعم الأثري عبر  فتحة مدورة صممت لكي تعطي الشبابيك نكهة أوروبية في السابق.

-ماذا يفعلان في الأعلى, سنتأخر على موعد الحفلة.

أشد الجاكيت حولي, تفاديا للسعة البرد الليلي , و أسرع بخطواتي نحو المبني الزهري.

6:47

6:47

نجوى

الفوضى هي حالة من التطبع الشخصي, و أنا فوضوية إلى حد المس بهدوء محيطي, و لا أعرف كيف أشرح ذلك لمن حولي.  كلما حاولت التحدث مع أمي, تظنني مخبولة,  و تطلب مني أن ازور طبيبها النفسي. ثم تقول  بعد ان تزم شفتيها و تقلب عينيها إلى الأعلى :

-روحي شوفي الدكتور روني.

عندها يلتمع شيئا حول البؤبؤ المظلم, و يغيب نظرها لوهلة حين تلفظ إسمه. فالمرأة التي ترتجف بالشبق التخيلي, تشعرك بأن  عيونها تهتز كصفحة ماء أقلقها سقوط حجر كبير فيها. الجنس يغتال الأداة الحسية للنظر, أو هي الرغبة الجنسية بالأحرى. تلك المرأة كانت جميلة جدا و يحيرني كيف يمكن لها ان تنسى نفسها, كينونتها, و تتحول إلى مجرد جسد مليء بالسيليكون, يعبث به رجال كطبيبها العجوز هذا.

يا الله يا نينو وينك !

أريدك أن تسكت خواطري المقلقة, أذكر جيدا  في  بداية مواعدتنا, حين أخبرني أن أكثر ما يدفعه للعودة مجددا لرؤيتي بالرغم من عجرفتي و تغطرسي, هو أنه يشفق على روحي المضطربة. أذكر أن ماء عيني إلتهب يومها و أنا أرى الصوت في شفتيه يتجسد كرعشة فاضحة عبرتني من أسفل رقبتي إلى قدمي الصغيرة.

ألتقي بنفسي في مرآة سيارتي, و أبتسم لمرأى الغروب و هو يتقدس على وجنتي المحمرتين. أشتاق ليديه الكبيرتين تعبثان بتفاصيل وجهي الدقيقة. أشعر بمعدتي تتحرك فوق مياه رغبتي, فأبتسم ورعا, و أدع المدينة الغارقة في مراسم  اللون القاني تسرقني, كطفلة  ضائعة رفعت يدها إلى الأعلى بعد أن أدماها البكاء و الغياب, فأمسكتها يد الريح و الضوء و جرتها خلفها.

البحر يأخذ الشمس خلفه, و الضوء المستحي  يحاول جر المدينة معه, لعلها تغرق و تؤنسه في لوعة الإشتياق حتى موسم العودة. و لكن المدينة  لا ترحل أبدا, ترافقه إلى الشاطئ الصخري و تهمس له أنه لن يشعر أبدا بالوحدة, و أن هناك مدن أخرى تنتظره ليمر بها. تقترب منه أكثر,  فيصبح اللون الأحمر كالرذاذ, ينتظر مرور السحاب الذي يعيده إلى الشمس الغارقة عند الشفق.

أربكتني كثافة  أفكاري و أنا اجلس خلف المقود الأسود. يمر قربي شاب وسيم جدا, يبتسم فأرد له الإبتسامة.  يتقوس حاجبي فجأة , و يجتاحني شعور مريب بالشفقة على مدينتي, ثم يتحول إلى شعور بالحنق لإستسلامها المستمر و طيبتها. مدينتي عاهرة الموانئ إذا, لذلك تستسهل القناعة برحيل العابر اليومي بحرارة على أطرافها. لكنها حقيقة تودعه لإستقبال الليل الذي يتلبسها. مدينتي تشبه المرأة التي تغمض عينيها حين تخون أحبتها.

أتمتم بشكل لا إرادي:

-أنا أعلم أنك لست نائمة, أنا اعلم سرَك.

ألتفت حولي فلا أرى أحدا, يتسلل الصمت إلى السيارة المتوقفة, و يخيفني ثقل العدم و إختفاء الحركة. و للحظة كنت على وشك الإعتذار من ميدنتي لسوء الظن بها, حين أضاءت انوار الشارع فجأة. أشعر بألم خفيف في بطني, و ألقي بالملامة على النسيم البارد المتسلل تحت الثوب.

ألمح خليل و هو يركن سيارته في زاوية المصرف المركزي, فأشير له بانني سأسبقه إلى الغرفة. لقد مر الوقت بسرعة, و نينو لم يظهر بعد. أظنه أن رسالتي لم تصله.

- ربما لا يزال نائما.

أقول لنفسي و أعبر الشارع نحو المبنى الزهري العتيق.

§

6:49

نينو

-Flumazinil !

لحظة واحدة يتوقف فيها كل شيء, تنظر إلى الغرفة حولك و تراها من زاوية جديدة, أقرب إلى الأرض من السابق, ألاحظ الأشياء المألوفة كأنها رفيق قد نسيته. يقترب وجهي من السجادة النبيذية أكثر فيسرقني الضوء الأحمر, أشعة تلمس الشراشيب البيضاء لسجادة جدتي العراقية كأنها تتمسك بها, ثم تفلتها إراديا كإجلال لقدسية الحسرة عند الوداع.  تنسحب في صمت مهيب على الصوف الملون بأصابع الحيّاك في النجف, تقبله و تتسلق الحائط كطفل أخبروه أن لا ينظر خلفه مهما حدث, و لأنه أخطأ حين قرر أن يكبر إلتفت و تفتحت عيناه على مشهد الألم.

يخالسني الضوء إلى الشباك و يرحل, أرى جدتي تجلس مرتدية رداءها الأخضر, تلهو بصنع دمية من بقايا الصوف و الورق, ترفع نظرها إلي و تبتسم عبر تجاعيد وجهها الألف بين الفينة و الأخرى. أحاول أن ألتمس بعض النور من الحمرة المغيبية, و نسيمات نيسان تحتل مساحة النافذة كلها. تصلني الريح الحنوة دون أن تحمل الشمس معها, بينما يتذيلها أول طرف من الليل و هي تعبر وجهي. ألتفت إلى جدتي فأجدها قد رحلت.  يتناهى إلي صوت عمتي الدقيق, و هي تخبرها عن  النيل, و تصر أن حياتها كانت رائعة مع جدي. أحاول قلب عيني لأحدد مكانها, فيجتاحني عنف الصمت الذي حل فجأة, كأن المدينة في الخارج قد إتطفأت تماما و توقفت الحركة. أرى السماء مليئة بالغيوم الحمراء , أشعر برعشة مهيبة تعبر ببطء من أطرافي, كأن هواء نيسان خذلني للحظة. أحاول التركيز في السماء مجددا, فتعبر عيني بجهد على الحائط الزهري ثم على وجه روجر والترز و تقرأ في الأحرف اللاتينية البارزة  ”الوجه المظلم للقمر” قبل أن تصل إلى الشباك الخشبي و تعبر الدهان البني ثم تتوقف.

السماء مجددا, و الرعشة بطعم الخوف الجلي, كأنني رأيت الظلام يحدق فيي عبر السحب القانية , كأن أعيننا إلتقت فجأة.

ينتشلني نيسان عنوة من هواجسي المخيفة ,و يمتلك الصوت الفوضوي  زوايا الرهبة في الغرفة المتجمدة بالصمت, كتجمد أعراقي. أشعر بيد جدتي تداعب شعري, كأنها تمسد حواسي كلها بأطراف أصابعها, و أبدأ بالتآلف مع عودة الحياة و الحركة التي تمر ظلالها خاطفة عبر أضواء عواميد الإنارة التي إستفاقت عنوة. أتذكر بانني أبحث عن عمتي التي سكتت مواربة, و يخيل لي أن الزمن عاد خطوة إلى الوراء. السجادة النبيتية قاتمة كالدماء العتيقة, عمتي تشرح عن السيدة و الإهرامات و النيل, ثم تجهش بالبكاء بشكل هستيري. أرتجف محاولا إستعاب المشهد, و أسِر لنفسي بأنني عشت هذه اللقطة سابقا.

تبحث عيني عن عمتي مجددا, و أتسآل لماذا أضيعها بإستمرار, لا بد أنها على تجلس قرب الحجة على الوسائد الزرقاء في السطيحة , تشربان الشاي النجفي و تحيكان كنزات الصوف للأولاد. أبحث عن صوتها مجددا, هي ما زالت تخبرها أن جدي أخذها في رحلة إلى مصر للنقاهة, و تردد بهوس:

- إلى النيل , إلى النيل.

ثم ينقطع نفسها و يتحول البكاء إلى نشيج يلامس قعر القلب, و ينزف فيه كالجدار المشقق. أسمع صوت الماء يهدر قرب رأسي. بينما لم يلتقط الصدى من الحوار سوى إسم النهر الأفريقي,  و بقي يعيد صناعته حولي حتى ظننت أن النيل فاض في الغرفة, و أغرقني بالعرق البارد.

أرى وجه أمي و هي تشير إلى السقف المهترئ , تخبرني أنها تخاف من حدوث هزة أرضية جديدة تدفع به إلى الإنهيار تماما, و يتناهي لي صوت والدي قادما من خلفها و هو يؤكد أنها الورقة فقط. أسمعه يقول أن الورقة هي التي قشرت فقط و ما زالت قضبان الحديد على حالها. أرى أمي حزينة و قلقة , يشرح والدي عن الورقة و يؤكد مجددا:

- الورقة , الورقة .

أدير رأسي نحو التشققات و يعود النشيج من الخلفية الصوتية ليملأ رأسي. صوتها الحزين ينطق من وهلة إلى أخرى بإسم النهر العجوز :

- أخدك إلى النيل , إلى النيل.

و يرحل تاركا الحزن الذي تقدس في ذاك البكاء أو ذاك الغناء. أسمع صوت فيروز ,  فأرى وجه أمي مجددا.

- يلا تنام يلا تنام لإدبحلك طير الحمام.

أرى شفتيها ترتجفان بالكلمات و لا أصدق أن صوت فيروز هو الذي يخرج عبر حبال حنجرتها الرقيقة. يعلو نشيج عمتي فأشيخ بنظري إلى السقف المتشقق و أحس بحزن غناءهن يمر إلى قعر قلبي ويتلمسه, أو يمسده في لحظة مطولة من الرغبة بالبكاء. يدخل حزنهن في الدم و يتسرب الشعور الصرف في العضلة حتى ينسجم في إيقاع النبض, يعلو على كل الأصوت الحية الأخرى.

أراها تتجمع على النتؤات, مستنقع داكن تولد منه القطرات خفية على السقف. أشعربقلبي يتنزه في كل أنحاء جسدي, و أحاول اللحاق بالقطرات التي تسقط  تراتبيا مع نبضي.

- يلا تنام يلا تنام , لأدبحلك طير الحمام, و يا حمام لا تصدق عم بضحك على "نينو" لينام.

أنا أعرف هذا الصوت, أبحث عن الوجه حولي, أريد أن أرى وجهها فقط.  لكن نظري يتلاشى و تختبئ عيني في الماء الذي إمتلأ بها. أشعر بأنني أغرق, و تدخل المياه في أذني, تختفي كل الاصوات الأخرى, و يقتصر وعيي على الإيقاع التصاعدي. قطرة ثم دقة . قطرة تلحق بالدقة . قطرة و دقة. يسري الدفء على جبهتي المبللة بالمطر و يختطفني النعاس.

أما أنا فمدينتي أنهكتها الحياة, و كثيرا ما تلاقينا على فكرة أن الآوان قد حان لتسونامي يجرف عنها الحياة المتقلبة و الغالية الثمن في جوانبها. لطالما عاشت المدن و ماتت, ثم عادت او عادت قربها أو في مكان آخر

و هي المدينة من اول حجر إلى آخر قلب نابض فيها, أخبرتني حين أسررت لها عن شغفي بأبنيتها العتيقة, أنني أقرب ما أكون إلى السذاجة لأن تلك الأبنية كالندوب التي لا يختفي أثرها, و خلف كل حائط تتبجج بتواصلك العاطفي معه حيوات إكتملت, بؤس كثير, زخات رصاص, أصوات موت, و الكثير الكثير من الحظ العاثر. ثم نبهتني أن البناء الذي إستوقفني منذ مدة و أعييت نفسي بحثا عن ترجمته شعرا , قطنه جزار قبيل الحرب الأهلية, و أغنى خلالها لأنه صار المورد الرئيسي لإحدى الميليشيات, و في الغرفة التي تخيلت فيها فتاة صغيرة تعزف البيانو و إعتقدت أنك فعليا تسمع صداه من تراب نوافذها العتيقة, قام الجزار بإغتصاب صبية ضغيرة أهداه إياها أحد ” القواد ” جزاء على مآدبه الفاخرة

أخبرتها انني أرى في البؤس تجرد الجمالية في النفس الإنسانية, رغم يقيني بأنني أكذب, و لكنني لست مستعد للتجرد من رؤيتي الرومانسية. مدينتي قبيحة جدا بالعيون العملانية, فالرجل اللطيف الذي أحييه كل صباح هو نفسه من باع لحم كلاب إلى حي باكمله على أنه ذبيحة بلدية, و الفتى الذي يخرج إلى مدرسته متأنقا كان يبكي في سريره طوال الليل لأنه رأى والده يتحرش بالفيلبينية التي جاءت من أقصى آسيا لتعمل في مدينته الرائعة. و أبو جميل صياد السمك الذي تتوقف قربه كلما خرجت للركض على الكورنيش صباحا و الذي لطالما نقلت إعجابك بتجاعيد جبهته و شبهتها بأبوة مدينتك الرقيقة, كان يضرب إبنته طوال الليل لرفضها الزواج من جارهم الأرمل بحجة رغبتها بمتابعة دراستها الجامعية. و بائع الخضار المتجول الذي يوقف عربته قرب مبناك المفضل و تحت الشرفة التي تئن بحشرجة الفتاة القديمة, هو رجل طيب فعلا , لم يغمض جفنه طوال الليل و هو يفكر بأقساط الاولاد المستحقة و بكيفيه تامين ثمن لدواء زوجته المريضة ب”ذلك المرض العضال

في مدينتي هندي يلبس رداء أخضر طوال اليوم و ينظف قمامتها مقابل دولارين او ثلاثة في النهار الواحد, هل تبعتهم مرة واحدة أثناء تجوالك الليلي بحثا عن الإلهام. ربما لو إستمعت لدقات قلبه لفعلت , و بحثت عنه , ستجده ليلا ينام على حصير عتيق , يضع يديه خلف رأسه و ينظر إلى السماء من شباك برج غير مكتمل البناء, و حوله تتناثر أجساد سمراء أخرى, أحدها من حيدر أباد و آخر من بومباي و آخر كشميري وجهه مليء بآثار الجدري و عيناه السوداوين تسبحان بقطرات الدموع التي تتجمع طوال النهار

و أنت نفسك حين تقسو عليك الحياة لن تعود راكضا بحثا عن هوائي لتخبئ جزعك, لن تستمع إلا لنبضك و لهاثك المستمر و أنت تعبر قرب ذات المشهد الذي أجللت و كتبت عنه, تبحث وسط الغلاء المستمر عن حفاضات طفلك الثاني, و تعد حبات العرق التي ذرفتها دون أن تجد معادلة جبرية واحدة تبرر تدني قيمتها السحيقة أمام العملة الاميريكية الصعبة.

دع المشاهد الليلة تنسحب على جفنيك الواحدة تلو الأخرى, يفصل شارع ضيق بين موقف السيارات المقتظ أمام الكريستال و الأبنية المهترئة التي يقطنها موظف صغير, ميكانيكي و أولاده الخمسة, سمعان الختيار و إديت السليلة

في الحديقة العامة لا تستمع لأصوات العصافير و لا تنتظر ظهور سنجاب مذعور, أكثر ما يمكن الحصول عليه هو التأقلم مع اللكنة الكردية و ربما اللغة نفسها, هذا إن لم يطغى على المشهد السمعي أبواق السيارات الكثيفة و ربما زمامير الموكب المار أمام وزارة الداخلية حيث يقف دركي شاب يحاول التخلص من نقاط العرق التي تذرفها الشمس الحارقة, و تعلق في منتصف ظهره تحت البدلة المدججة. و في سيارة الهيئة السياسية صبية متأنقة بنصف ثياب, إستعارت موكب أبيها لتتناول الغداء مع رفيقاتها في فندق الفينسيا

إن كنت لا أجيد النظر إلى مدينتي بعينين مفتوحتين, فلا أملك الحق بالنظر خلسة من عين واحدة, و لا حق الإدعاء بأنني أغمض عيني و أحلم بها.

مدينتك ليست المشهد العام الذي تقف عنده طويلا في مقطع وجداني خبيث من رواية, و ليست المشهد الذي تعيد بناؤه و أنت تقف في مجرة أخرى لا تجاري الزمان و المكان و الساعة. بل هي مجموع المشاهد الصغيرة في القلوب التي تحييها, و مجموع الندوب المستترة و القطب الخفية. و في القرن العشرين لو جمعت كل الفرح الصغير فيها و كل القبلات و كل الحب لما إكتمل من البورتريه الذي ترسمه سوى إنش في كعب الحقيقة. و مع ذلك , ما زالت تسكرك رائحة الفل الذي تزرعه جارتك على الشرفة و تتوهم أنها المدينة

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.