6:48
خليل
أشعر بيدي النحيفتين ترتجفان على مقود السيارة, و قد فشلت كل المحاولات لكي اتوقف عن التفكير.
-توقف عن التفكير !
قد يظنني البعض مصاب بإنفصام في الشخصية حين أصرخ على نفسي, طبعا هو هاجس فقط, فالفتاة التي تقود السيارة المتوقفة في الزحام قربي لم تران, أنا مجرد عارض على حياتها, تتقاطع حياوتنا بدون دلالات , بدون أن تترك أثر على نقاط اللقاء. و مع أني أحاول دوما أن أرى الجميع , أن أركز نظري فيهم , أن أبتسم لهم.
-ها أنت تبدأ مجددا .
هي المدينة دوما , لها الموقع المركزي, و حولها أدور في خيالي الصغير, و أحلم بسعادة مستقرة و وجود يرضي بالحد الأدنى كبريائي الكبير. أنا لا أستطيع التوقف عن التفكير لأنني بحاجة دائمة لإجابات على الأسئلة الكثيرة, و أسئلتي الكثيرة هي دلالة تقشف في فهم مجريات حياتي لأنني لا أعلم أين تقودني قدماي, و لم أعلم يوما كيف تداخل الظروف لتجد نفسك تتحرك بقرار أكبر منك بكثير.أخاف أن أجدني يوما في مكان لا رغبة لي به على الإطلاق. ليست السيطرة طموحي طبعا, فكلنا نرغب بالسيطرة على حياتنا, و لكنني أرغب بالتوقف عن الخوف.
البحر يدخل من نوافذ السيارات, و يجلب معه رائحة الأسماك, هو غريب أيضا في مدينتي, و يعلم تماما أن لا مكان له قرب الصبية المتبرجة خلف مقودها, كما لا مكان لرجفة صوته بالموج في السيارة المكشوفة التي تتصاعد منها أغان خارجة دوما عن السياق العام للمشهد.
أمام نافذتي الصغيرة تتجمع مئات التجاعيد, و لون أسمر ضرب المغيب عليه حمرة سحرية, فتشكل حول العينين البنيتين كقشور البرتقال, و إنحدر كالدمعة المستقلة عن إرادتك, و حفر في الحزن القاس معالم المدينة الرئيسية و صفاتها الأولى.
أفتح شباكي ببطء و ألتلفت إليه.
-بدي إدفع فاتورة الدوا للصغير , و بدي شربه حليب, صدري نشف من الجوع يا بنيِي.
أشعر بالدمعة القاسية تختلج خلف عيني الزرقاوين, أشيخ بنظري ناحية البحر علها تختلط بمائه الكثير و تختفي, فلا تتجمع على روحي الحزينة و تمنعها من التنفس مجددا.
الله يعطيك, أقولها في سري و أعتذر بتمتمة مختلفة, نوع من التعاطف الكاذب, و الشعور بأننا جميعا فقراء, لا نملك الكثير.و يفضحني خبثي, تفضحني زجاجة العطر التي إشتريتها بخمسين دولار منذ ساعة فقط, و تفضحني الساعة الفضية في يدي النحيلة. و قبل أن أستدرك الوجه العجوز, أراه أشاح بعينيه عني و نقلهما عبر الزجاج الأمامي للسيارة المتوقفة خلفي, درس ردة فعل السائق من تقلص عضلات وجهه, و إنطلق نحو شباكه ليلتصق به.
بدي إدفع فاتورة الدوا للصغير , و بدي شربه حليب, صدري نشف من الجوع يا بنيِي.
تختطفني الأسئلة الوجودية مجددا, و أقفز نحو النهايات هذه المرة, تراك تشعر حقا بأنك مطلق الشفافية ؟ تراك تبتسم لجميع المارة فقط لتؤكد لنفسك أن الجميع يراك, و أنك لست في معرض المرور الإجباري على ممشى كهربائي, ينتهى بموتك. فتكون كما لو أنك لم تكن يوما.
أدير الراديو بحثا عن شيء يستحق أن تسمعه, شيء يزيل الكآبة من عيني الصغيريتين كلما واجهتهما على المرآة الجانبية. أشعل سيجارة و أمتص الدخان منها بشراهة, محاولا حصر تفكيري في اللحظة. أليست طريقة نينو المثلى في معالجة أزمة السعادة كما يقول.
-نبحث كثيرا عن السعادة و نتأفف من عدم حصولنا عليها, و لكننا نبحث دوما في المكان خطأ. السعادة هي شعور لحظة. لا تغرق في البحث عن أول خيطها, فهي ليست خط مستمر و لا نقطة بداية تحدد مكان إنطلاقها, كما لا وجود لمسار زمني محدد تتوقف عنده. السعادة هي لحظة خارجة عن القانون, تفرض إيقاعها الخاص, و تتجلى في ملامحك رغم عنك. يبقى أن تفاجئها حين حصولها. و لكنك منشغل في بحثك و أسئلتك التي لا نفع لها, ترهق نفسك في البحث عن سعادتك فتتجاوزها كل ما حطت على شفتيك.
أبتسم حين أسترجع كلامه, و تتآلب الأشياء حولي, فتشدو موسيقى مارسيل في فضائي الصغير, و يمر النسيم المنعش عبر جسدي, فأحس بصفاء لا بداية و لا نهاية له , شعور منفصل عن الزمان و المكان. و أبتسم.
يخطفني صراخ السائقين خلفي من لحظتي الزهرية, و لكنني أقرر أن لا أدعهم يسرقون بهاءها مني, أتجاهلهم و أنطلق ببطء تحت إشارة المرور الخضراء.
أشعل سيجارة أخرى, و أشعر بأن ثقل ما قد إنزاح عن كاهلي, كأنني أملك عالمي كله في يدي الصغيرتين. سأقوم بتغيير عملي, و سأجلب زهورا لأضعها على قبر والدتي, و ربما قد أزور ريما, أو أدعوها للغداء في مطعم لطيف, و قد أدعو نينو و نجوى أيضا فخرج معا كما كنا نفعل في السابق. أتناول الجوال عن المقعد الخالي قربي, و أتصل بأختي لأخبرها أنني قادم للعشاء عندها غدا, فتجيبني عاملة الهاتف. لا أتذمر, و أجدد الإبتسام, ستكون مناسبة لطيفة لرؤية إبنتها الصغيرة, ربما أشتري لها هدية أيضا. أبتسم. و أبتسم مجددا لأنني أبتسم.
أحاول الإتصال بنينو لأخبره بأنني مررت بالحديقة التي كنا نلعب فيها كرة القدم حين كنا صغارا, و لكنه لا يجيبني. أتوقف قليلا على جانب الطريق, و أحاول اللحاق بآخر أنفاس الضوء و هي تعتلي العشب الأخضر, أغمض عيني بحثا عن رائحة زهر الليمون, فيأخدني مشهد الربيع إلى قريتي, بيت جدي, صيد العصافير, والدي. أسمع صوت والدتي.
-الغذا جاهز يا بيي. روح عيط لبيك يا خليل.
أمد يدي إلى علبة الدخان, لأتنفس منها رائحة الذكرى الحارقة. لم يعد يزورني الحزن الكثيف كما في السابق, لقد واجهت الأمر بشجاعة, و خرجت من ضباب الحداد الذي يحولك لمخلوق يتلمس طريقه من الحزن و إليه.
أتناول هاتفي مجددا, أخبر نجوى في رسالة خطية أن الزحمة أخرتني قليلا, و أحاول الظهور في مزاج جيد, فأضيف أنني لبست أجمل بدلاتي. فاليوم نذهب سويا إلى حفلة تخرجها. سنبدأ بتسميتها الدكتورة نجوى من اليوم و صاعدا. ثم أنتقل للتفكير بنينو, و أشعر بغبطة لأنه عاد إلى المدينة التي كبرنا بها, و ها هو يستقر مجددا مع نجوى. أظنهما سيتزوجا قريبا, على الأقل هذا ما أخبرتني إياه أمه حين دعتنا للعشاء عندها الأسبوع الفائت.
أقترب من الوصول إلى شارع “رابندرات تاغور” , ألمح سيارة نجوى متوقفة قرب المبنى القديم, يظللها الضوء الفضي الذي يملأ فراغ اللون بين بداية الليل و إنسحاب النهار. أشرد قليلا, و يتسارع نبضي بشكل مباغت, أرى الأشياء قد تجمدت حولي, كنت أبحث عن شيء ما.
يزيل نور الكهرباء الإنقباض المتمسك بطرفي قلبي, الذي بدأ يختلج كسمكة ذهبية حائرة من دخول الضوء و الصوت غلى عالمها الساكن الصغير. كنت أبحث عن مكان أركن فيه سيارتي. أقلب عيني في الشارع الموشح بلون الآكي دينيا. و أجد مكانا فارغا.
أرى نجوى و هي تعبر الشارع بخطوات رقيقة. ثوبها الأبيض يرتجف مع دعساتها الخفيفة, كأنما هو خجل من ملامسة جسدها العار أمام الضوء الإصطناعي. ألتفت حولي و أقرأ على اللوحة الصدئة :
Le Vigne Restaurant francais
أبحث حولي عن آثار عريشة كانت هنا في زمن ما, فلا يلفت نظري سوى الثقوب التي خلفها الرصاص في المبنى المهجور. أحاول الإنصات لكلام الأرواح التي تناولت طعامها هنا يوما, و يهيؤ لي أنني أسمع غناء إديث بياف.
- أم أنه صوت ميراي ماثيو؟
يوقظني المرور الخاطف لخفاش كبير, و هو يدخل طائرا إلى المطعم الأثري عبر فتحة مدورة صممت لكي تعطي الشبابيك نكهة أوروبية في السابق.
-ماذا يفعلان في الأعلى, سنتأخر على موعد الحفلة.